عربي

فيروس الورم الحليميّ البشريّ (HPV)

Human Papillomavirus Is Dangerous—But a Vaccine Can Save You!

: ترجمه إلى العربية 

علي الناصر / الكويت _  يارا سلوم / لبنان

ما هو فيروس الورم الحليميّ البشريّ؟

فيروسات أو فيروس الورم الحليميّ البشريّ، (سيُشار إليه بالفيروس الورميّ, عبارةٌ عن فيروساتٍ معديةٍ وممرضةٍ للإنسان، والتي تسبّب أعراضًا مثال البثور أو الثآليل. سُمّيَت تلك الفيروسات بالورميّة الحليميّة لأنّها تسبّب أورامًا، أي نمو غير طبيعيّ للخلايا، تشابه حلمة الصدر، حيث تكثر أعراض الإصابة بالفيروس في بعض أجزاء الجسم؛ أمثال الجلد والأعضاء التناسليّة والأغشية المخاطيّة. 

يتكوّن الجلد من عدّة طبقات نسيجيّة التي تشكّل الجدار الحاميّ لأعضاء الجسم الداخليّة. أمّا الأغشية المخاطيّة فهي الطبقة الداخليّة للعديد من أجزاء الجسم أمثال الفمّ والحلق وأعضاء الجهاز التناسليّ. 

لا يمكن رؤية الفيروسات بالعين المجرّدة، و لكن ترى باستخدام مجاهر بخاصّةٍ  التي لها الوضوح الكافي لرؤية أجسامٍ صغيرةٍ قد يصل قطرها جزء من المليون من قطر كرة التنس؛ ومنها: الفيروس الورميّ الذي قطره يصل إلى 55 نانومتر (١ نانو متر= ٠.٠٠٠٠٠٠١ سم).

يتكوّن الغلاف الخارجيّ للفيروسات الورميّة على بروتينات نجميّة الشكل، والتي تشابه نجوم لعبة الليغو، حيث يبلغ عدد تلك البروتينات النجميّة المتجمعة على بعضها 72 بروتينًا، مشكّلين هيكلًا يطلق عليه بالقُفَيْصَةِ، أي تصغير كلمة قفص.  (شاهد شكل ١) 

الفيروس يأتي على أشكالٍ متنوّعةٍ ويعدي بطرقٍ مختلفةٍ

ليست الفيروسات الورميّة، كما من الاسم، فيروسًا واحدًا فحسب، بل مجموعة من الفيروسات والتي يبلغ عددها 100 نوعًا، يميّز كلّ نوعٍ منها بالأرقام (من ١ إلى ١٠٠) ولكلّ نوعٍ تركيبٍ بروتينيٍّ نجميٍّ يميّزه عن النوع الآخر، وهذا أحد أسباب الأنواع الفيروسية واختلافها من ناحية الأعراض والتصنيف  والخطورة. بحيث إنّ العلماء قسموها إلى قسمين؛ القسم الأوّل والذي يشمل الأنواع ذات الخطورة العالية أمثال  16 و 18 لأنّها قد تسبّب السرطانات لمن أصيب بها،  والقسم الثاني الذي فيه الأنواع منخفضة الخطورة أمثال النوعين 6 و 11، بسبب انخفاض خطورتها وتسبّبها بأعراض؛ أمثال الثآليل أو التورّمات القشريّة، أو تسبّب أورامًا حميدةً لأنّها لا تشكّل تهديدًا صحيًّا على حياة المرضى. (شاهد شكل ٢)

تشير التقديرات إلى أنّ معظم البالغين لا زالوا مصابين أو قد أصيبوا بالفيروس الحليميّ. قد لا تشعر فئةٌ كبيرةٌ بأعراض الفيروس، لكنّهم ممكن أن ينقلوا العدوى لغيرهم. من الممكن أن تحدث الإصابة في حمّامات السباحة أو عند التلامس الجلديّ في خلال مصافحة اليد. ويستطيع أن ينتقل الفيروس من الأمّ المصابة إلى جنينها في أثناء الولادة. عدوى الفيروس الحليمي الورمي من أكثر الأمراض التناسليّة شيوعًا و تنتقل من خلال الاتّصال الجنسيّ أو العلاقات الحميميّة.

الأعراض: من الثآليل حتّى السرطان

أنواعٌ من الفيروسات الورمية المتنوّعة (60 نوع) تسبّب أعراضًا خفيفةً كالثآليل في مختلف أجزاء الجسم كاليدين والقدمين و التي لا تهدّد حياة المصابين بها، لكن الأنواع الأخرى و الأخطر عادةً ما تنتقل من خلال الاتّصال الجنسيّ والعلاقات الحميميّة، ومنهم النوعان 16 و 18 اللذان يسهمان في ظهور سرطان عنق الرحم لدى الإناث، وهذا النوع من السرطانات يعدّ من أهمّ أسباب وفيات النساء عالميًّا. اكتشف عالم الفيروسات والطبيب الألماني هارالد زور هاوسن العلاقة السببيّة بين سرطان عنق الرحم والفيروس الورميّ في عام 1983 والذي كرّم بجائزة نوبل للطبّ ووظائف الأعضاء عام 2008 على هذا الاكتشاف الأخير.ّ

تصيب الفيروسات الورميّة الذكور والإناث بالتساوي، إلّا أنّ خطر الإصابة بالسرطان يزداد لدى النساء أكثر من الرجال، لا سيّما إذا كان نوع الفيروس من الأنواع ذات الخطورة العالية. أغلب أنواع سرطانات عنق الرحم تسبّبها الفيروسات الورميّة، لكنّ بعض أنواع السرطانات الأخرى أمثال سرطان الفمّ وسرطان الحلق، قد تساهم في ظهورها تلك الفيروسات، ولكن بصورةٍ أقلّ. و إن تركزت خطورة سرطانات عنق الرحم بسبب الفيروس الورميّ لدى النساء فلا يعني بأنّ الفيروس سيكون أقلّ قدرة على عدوى الرجال من حيث الإصابة. 

لا تعني الإصابة بالفيروس الورميّ حتميّة ظهور الأورام. هذا أمرٌ جيّدٌ لأنّ أمراض الفيروسات الورميّة هي لعدوى الفيروسية  الأكثر إصابةً للجهاز التناسليّ. ومن أجل نشوء الأورام الخبيثة، يجب أن يصاب الشخص بنوعٍ من الفيروسات الورميّ عالية الخطورة وأن تكون العدوى طويلة الأمد، أي يعني أن الجهاز المناعيّ لا يستطيع أن يكافح الفيروس بفعاليّةٍ. لشرح الكلام بصورةٍ أخرى، لو تسعة بالغين من أصل عشرة أصيبوا بالفيروس، لاستطاعت أجهزتهم المناعيّة أن تكافح الفيروس وأن تقضي على العدوى، أمّا الوحيد الذي لم يستطع جهازه المناعيّ أن يقضي على العدوى فسيتعرّض للإصابة بالسرطانات كسرطان عنق الرحم.

غالبًا، عندما يصاب المريض بنوع من أنواع الفيروسات الورميّة ذات الخطورة العالية، يستطيع الفيروس أن يخدع الجهاز المناعيّ ويقوم بالمحافظة على وجوده داخل الجسم مسبّبًا المرض. وهذه الإصابة طويلة الأمد هي أهمّ خطوة لظهور السرطان لاحقًا. حيث تبدأ الإصابة في أعمق طبقة من الجلد (الأغشية المخاطيّة) (شكل ٢)، ويقوم الفيروس بتشويش الوظائف المعتادة والنموّ الطبيعيّ للخلايا المصابة، ويبدأ في التضاعف والانتشار أكثر بين الخلايا الجلديّة السليمة. يستغلّ العلماء والباحثون تلك الميزة الفيروسيّة في غزو الخلايا السليمة وإصابتها في التشخيص المخبريّ حيث يقومون تحديد الخلايا المريضة من خلال الاختلافات التشريحيّة بينهما. (أنظر شكل ٣)

التطعيمات تبقينا بأمان من الفيروس 

لا يمكن معالجة عدوى فيروس الحليميّ تمامًا، إنّما الحلّ الوحيد هو الوقاية من العدوى من خلال التطعيم. اللقاحات المتاحة والتي توفّر الحماية ضدّ الفيروس تشمل الأنواع الآتية: 6, 11, 16, 18, 31, 33, 45, 52 و النوع ال58. لذلك تحمي التطعيمات المتاحة من أغلب أنواع العدوى التي قد تؤدّي إلى مضاعفاتٍ خطيرةٍ. 

يصنع لقاح الفيروس الحليميّ من هياكلَ نجميّة المعاد تفكيكها حيث أنّها لا يمكن أن تسبّب الضرر لمن يتطعم بها. حيث تسمّى تلك الهياكل بالجزيئات الشبه فيروسيّة والتي تتماثل كثيرًا مع الفيروس الكامل بسبب احتوائها على بروتينات القفص الخارجيّ للفيروس. تستخدم الخلايا الخميرية (مثل التي تستخدم في صناعة الخبز و المعجنات) كمكون أساسي في تكوين الجزيئات الشبه فيروسية. (شاهد شكل ٤) ولأنّ اللقاح لا يحتوي على المادّة الوراثية للفيروس، فلا يمكنها التسبب بالعدوى والمرض. عند صناعة اللقاح في المختبرات، يُعاد تفكيك البروتينات الفيروسية بطريقةٍ تجعلها تبدو وكأنها فيروس كامل حتى تخدع الجهاز المناعيّ من أجل التعرف على الغشاء النجميّ وتكوين ذاكرةٍ مناعيّةٍ عند حصول الإصابة لاحقًا من أجل تجنّب المرض والمضاعفات الناتجة عن فيروس الورميّ الحليميّ. 

يوصى الخبراء بتطعيم الفتيات والفتيان في الفئة العمريّة (9-15 سنة) ولكن ما هو السبب؟ لأنّه من المهمّ أن تأخذ جرعتك الأولى قبل دخولك في علاقة حميميّةٍ مع شخص آخر، و الفيروس سهل الانتقال بين المصاب به والشخص السليم. كلّما أسرعت في أخذ الجرعة الأولى قلّت حاجتك لأخذ جرعاتٍ إضافيّةٍ. من تلقّى الجرعة الأولى في الصغر أي (من 9 -15 سنة)  سيحتاج إلى جرعتين فحسب، لكن من تلقّى اللقاح في الفئة العمريّة الأعلى سنًّا (15 -45) سيحتاج إلى أخذ ثلاث جرعاتٍ من أجل تكوين مناعة كافية. على الرغم من مأمونيّة اللقاح و فعاليته، إلّا أنّ بعض الأعراض الجانبيّة قد تظهر أمثال ألم أو انتفاخ أو احمرار في مكان الوخز. قد تحدث أعراض أخرى أمثال التعب أو الصداع لكنّها أقلّ حدوثًا.  

الكشف على الفيروس الحليميّ

أنواع الفيروسات الورميّة غير المشمولة في اللقاح قد تسبب المرض لمن تلقّى التطعيم. و من الممكن أن تظهر الأعراض لمن تلقى اللقاح بعد أن يصاب بالفيروس، حيث إنّ الفيروس يبقى خاملاً لمدّةٍ من الزمن ثم ينشط وتظهر العدوى. لذلك من المهمّ أن يكون الكشف دوريًّا من أجل الاكتشاف المبكر للإصابة المحتملة بالعدوى الفيروسيّة.

يمكن للفتيات والنساء أن يقمن بالكشف عن المرض في خلال زيارتهنّ لطبيب الأمراض النسائيّة. أبرز طريقة طبيّة للكشف الدوريّ على عدوى الفيروس الورميّ هي مسحة أو تحليل “باب”، والتي يلحظ فيها التغيّرات التي تحدث لخلايا الرحم (سمّي هذا الاختبار تيمّنًا بالطبيب اليونانيّ د. جورج بابانيكولاو الذي طورهذا الاختبار). حيث يقوم طبيب النساء بأخذ عيّنة من خلال مسح الأنسجة المخاطيّة في أغشية الداخليّة لعنق الرحم من أجل جمع الخلايا.  وتتمّ مشاهدة الخلايا تحت المجهر الضوئيّ بعد صبغها بطريقةٍ خاصةٍ من أجل تحديد التغيرات غير الطبيعيّة أو استبعادها. إذا لحظت تغيرات غير معتادةٍ في تلك الخلايا، قد تفسر ذلك على احتماليّة الإصابة بالفيروس الورميّ، ولاحقًا تطوّرها إلى سرطان في بعض الحالات. باستخدام مسحة باب، يمكن تشخيص العدوى في 8 من أصل 10 إناث مصابات بالعدوى الفيروسية، ومساعدتهنّ في تقليل احتمالية ظهور السرطان وانتشار العدوى. لا يمكن علاج الفيروس الحليميّ نهائيًّا، إلا أنّ إذا التشخيص المبكر من قبل الطبيب، يمكن استئصال النسيج المصاب من عنق الرحم. لأنّ بعض أنواع الفيروسات الحليميّة لها القدرة على التخفي والظهور لاحقًا. لذلك من المهمّ قيام الفتيات بالخضوع للفحص المخبريّ لكلّ ثلاث سنوات. 

يتمّ فحص الفتيان عندما تظهر أعراض غير معتادةٍ على أعضائهم التناسليّة أو بعد معرفتهم بإصابة شريكهم الجنسيّ. بالطبع لم يطول تحليل باب للفتيان، لكن يمكن الكشف عن الفيروس لديهم من خلال تقنيات مخبريّة التي تحدد وجود الحمض النوويّ الفيروسيّ. يشك الطبيب باحتماليّة الإصابة بعدوى الفيروس الورميّ الحليميّ لدى الفتيان والفتيات عند مشاهدة بعض العلامات السريرية المحددة لدى الأعضاء التناسليّة قبل أخذ العينات المخبريّة الملائمة منهم. 

ماذا تعلّمت؟ التطعيم لحماية نفسي والآخرين

فيروس الورم الحليميّ البشريّ شائع. ويعتبر من أكثر أسباب الأمراض المنقولة جنسيًّا إنتشارًا بين الرجال والنساء الذين يتساوون في معدل الإصابة به. أغلب المصابين بهذا الفيروس يمكن لأجسامهم أن تتخلص منه بشكل نهائي، لكن الجهاز المناعيّ أحياناً لا يكون بالقوة الكافية التي تمكنّه من القضاء عليه، لذلك تسوء الحالة الصحية لدى بعض المصابين به وتظهر الأورام السرطانية. حالياً لا يوجد أي علاج شافي لهذا المرض، لكن نستطيع أن نحمي أنفسنا منه من خلال التطعيم، حيث كلّما زاد عدد المتطعمين قلّت نسبة وخطورة العدوى المنتشرة بينهم. انشروا الخبر لأصدقائكم، وزملائكم وأفراد عائلتكم من أجل بناء جدار عازل ضد العدوى الفيروسية و خفض معدل الإصابة بها. التمنيع على النطاق الواسع يمكنه لا يمكنه التخفيف فحسب، لكن القضاء على عنق الرحم والأمراض الأخرى التي يسببها الفيروس الورمي الحليمي عالمياً.