عربي

مقاومة الميكروبات للمضادّات الحيويّة: حكاية الأعداء الأشرار والأسلحة القويّة

ترجمة : إياد + يارا سلوم

Original article: https://kids.frontiersin.org/articles/10.3389/frym.2020.554493 

المقدّمة:

هل عانيت من قبل من التهابٍ في الحلق أو سعالٍ أو حمّى؟ لقد شعرنا جميعًا بالسوء مرةً واحدةً على الأقلّ في حياتنا. قد يكون الطبيب  ساعدك عن طريق وصف المضادّات الحيويّة لقتل الميكروبات المسؤولة عن العدوى، وبالتالي القضاء على الألم والسعال والحمّى.

يمكننا التعافي بسرعةٍ من الأمراض  بفضل الأدوية مثل المضادات الحيوية. لسوء الحظّ، فإنّ القوّة الخارقة للمضادّات الحيويّة مهددّةٌ بظاهرةٍ تسمّى مقاومة الميكروبات للمضادّات الحيويّة. ما هي مقاومة الميكروبات للمضادّات الحيويّة؟ وماذا يمكننا فعله لوقفها؟ في هذه المقالة، سوف نصف مقاومة الميكروبات للمضادّات الحيويّة، وكيفيّة نشوئها، وكيف بإمكاننا المساعدة في منعها عن طريق التطعيم.

قبل البد، لا بدَّ من إيضاح نقطةٍ مهمّةٍ: معظم الميكروبات، وبخاصّةٍ البكتيريا، هي صديقتنا، إذ تعيش معنا وفي داخلنا؛ سواءً في أحشائنا أم على بشرتنا. على الرغم من صغر حجم هذه الميكروبات، إلّا أنّها تعمل بشكلٍ مذهلٍ، بحيث إنّها تساعدنا على هضم الطعام وحمايتنا من الأعداء الخارجيّين الذين يسبّبون لنا الأمراض. لكن، هناك بعض الميكروبات السيّئة التي يجب تجنّبها لأنّها خطيرةٌ. استمرّ في القراءة لترى كيف يمكننا قتالهم وإلحاق الهزيمة بهم.

 

هل من الممكن أن تصبح المضادّات الحيويّة عديمة الفائدة؟

غالبًا ما تغزو الميكروبات الحيّة غير المرئيّة أجسادنا مسبّبةً عدوى تجعلنا نشعر بالمرض. لحسن الحظّ، هناك أدويةٌ تسمّى المضادّات الحيويّة وهي الأدوية المستخدمة لعلاج الأمراض التي تسبّبها البكتيريا لمساعدتنا على التحسن. تتأتّى كلمة “مضادّ حيويّ” من اللّغة اليونانيّة وتعني “معارضة الحياة”. هذا يفسّر ما تفعله المضادّات الحيويّة: فهي تقتل أعداءنا أي البكتيريا السيّئة. يمكن إنتاج المضادّات الحيويّة عن طريق البكتيريا الصديقة أو العفن أو النباتات، أو يمكن أن تكون جزيئات اصطناعيّة يتمّ إنتاجها في المختبرات.

 تتداخل المضادّات الحيويّة مع العمليّات الضروريّة للحياة البكتيريّة؛ على سبيل المثال: تمّ صنع البنسلين الذي اكتشفه ألكسندر فليمنج عام 1928، بوساطة العفن Penicillium notatum ويمنع تكاثر البكتيريا عن طريق منع الجدار الخارجيّ للخليّة البكتيريّة من التطور.

 تنفجر البكتيريا من دون جدار الخلية وتموت. اِكتُشِفَت مضادّاتٌ حيويّةٌ متنوّعةٌ منذ البنسلين، وجميعها أسلحةٌ قويّةٌ ضدّ غزو الميكروبات. إضافةً إلى ذلك، وبفضل التقدّم العلميّ، أصبح من الممكن الآن صنع كميّاتٍ كبيرةٍ من المضادّات الحيويّة الاصطناعيّة واستخدامها لعلاج الالتهابات البكتيريّة بنجاحٍ.

 قد يبدو أنّه بمجرّد اكتشاف المضادّات الحيويّة يجب أن تظلّ فعالةً ضدّ البكتيريا إلى الأبد. للأسف، ليست هذه هي القضيّة. البكتيريا ذكيّةٌ، وتحاول البقاء على قيد الحياة في وجود المضادّات الحيويّة من خلال مقاومتها لهذه الأدوية، ما يعني أن المضادّات الحيويّة لا يمكن أن تؤذيها بعد الآن.

تُعرف هذه القدرة البكتيريّة باسم مقاومة مضادّات الميكروبات (AMR)  قدرة البكتيريا على البقاء على قيد الحياة في العلاج بالمضادّات الحيويّة. ويعود السبب في مقاومة مضادّات الميكروبات إلى الجينات البكتيريّة التي توفّر للبكتيريا الحماية من المضادّات الحيويّة. وبسبب مقاومة مضادّات الميكروبات، ويمكن أن تصبح المضادّات الحيويّة الأكثر فاعليّةً عديمةَ الفائدة في مدّةٍ زمنيّةٍ قصيرةٍ.

 

كيف تكتسب البكتيريا المقاومة للمضادّات الحيويّة؟

لاختبار ما إذا كان المضادّ الحيويّ مفيدًا ضدّ نوعٍ معيّنٍ من البكتيريا، يمكن للعلماء وضع البكتيريا على اتّصالٍ بالمضادّ الحيويّ، والتحقّق ما إذا كانت البكتيريا تموت (البكتيريا الحسّاسة) أو تعيش (البكتيريا المقاومة). هذا قياسٌ مباشرٌ لفعاليّة المضادّ الحيويّ وحساسيّة البكتيريا . بدلًا من ذلك، يمكننا قراءة “مخطّط البكتيريا”، والذي يسمّى الجينوم أو الحمض النوويّ .يحتوي الحمض النوويّ على المعلومات التي تنظّم حياة البكتيريا وتوفّر التعليمات اللّازمة لصنع البروتينات، وهي اللّبنات الأساس لمعظم الكائنات الحيّة. في حال البكتيريا، يمكننا أن نجد ونقرأ الأجزاء المعيّنة من جينوماتها التي تشرح كيف أصبحت مقاومةً للمضادّات الحيويّة.

يخضع “مخطّط” البكتيريا لتغييراتٍ، تُعرف باسم الطفرات، والتي، أحيانًا، تساعد البكتيريا في البقاء على قيد الحياة في وجود المضادّات الحيويّة. لذلك، يمكن للبكتيريا الحسّاسة للمضادّات الحيويّة اليوم تطوير مقاومة مضادّات الميكروبات غدًا من خلال الطفرات في جينوماتها. أيضًا، يمكن للبكتيريا نقل أجزاء من حمضها النوويّ إلى بكتيريا أخرى، بحيث يمكنها أساسًا “التعلّم” من البكتيريا المقاومة بالفعل للمضادّات الحيويّة (الشكل 1).

الشكل 1 – كيف تنشأ البكتيريا المقاومة لمضادّات الميكروبات (AMR) وتنتشر؟

  • البكتيريا التي تسبّب عدوى في الجسم، على سبيل المثال في الأمعاء، هي في الغالب حسّاسةٌ للمضادّات الحيويّة (الأزرق). وقد يصاب
  • بـطفرةٍ في الحمض النوويّ الخاصّ به –>>  بكتيريا مقاومة
  • المضادّات الحيويّة الموضّحة هنا على شكل أقراصٍ، تعالج العدوى وتقتل كلّ البكتيريا الزرقاء تقريبًا، أمّا الحمراء المقاومة فتبقى وتتكاثر حتّى تصل إلى عددٍ كبيرٍ جدًّا.
  • هذا أمر خطيرٌ لأنّ البكتيريا المقاومة للمضادّات الحيويّة يصعب قتلها ويمكن أن تسبّب عدوى شديدةً للجسم.
  • يمكن للبكتيريا الحمراء بعد ذلك نقل قطعةٍ من الحمض النوويّ إلى بكتيريا حسّاسة (الزرقاء)، وتحويلها إلى بكتيريا مقاومة أيضًا.

ماذا يحدث إذا استخدمنا المضادّات الحيويّة باستمرارٍ؟ نضع ضغطًا كبيرًا على البكتيريا للبقاء على قيد الحياة حتى تصبح مقاومةً بازديادٍ. بمعنى آخر، ستنتشر بكتيريا مقاومة مضادّات الميكروبات أكثر فأكثر في البشر [2]. ونقوم بتقليل هذا الضغط بوساطة الحدّ من استخدام المضادات الحيوية قدر الإمكان. لهذا السبب، نحتاج إلى بدائلَ للمضادّات الحيويّة وطرقٍ لتقليل خطر الإصابة بأمراضٍ تحتاج إلى العلاج بهذه الأدوية.

Figure 1 - How antimicrobial resistant (AMR) bacteria arise and spread.

جيشنا: جهاز المناعة

يتكوّن جهاز المناعة البشريّ من خلايا وجزيئاتٍ تحمينا على وجه التحديد من الغزاة الخارجيّين، مثالًا على البكتيريا والفيروسات.   عندما يصاب الجسم ببكتيريا أو فيروس، يتعرّف الجهاز المناعيّ على هذا الميكروب على أنّه “غريبٌ”، لأنّه عادةً لا يكون موجودًا في الجسم.   تسمّى أجزاء الكائن الحيّ المصاب التي “يراها” الجهاز المناعيّ المستضدّات .   البروتينات أو السكريّات المأخوذة من ميكروب يتعرّف عليه الجهاز المناعيّ على أنّه مستضدّ . ويمكن تضمين المستضدّات في اللّقاحات لتعليم الجهاز المناعيّ ماهيّة الميكروب، وعادةً ما تكون هذه المستضدّات موجودةً على سطح البكتيريا أو الفيروس. ولمنع المستضدّات، ينتج الجهاز المناعيّ موادَّ تسمّى الأجسام المضادّة، وهي موادُّ تساعد في محاربة أعدائنا والبكتيريا والفيروسات… ترتبط الأجسام المضادّة بالمستضدّات وتعمل مثل سهامٍ محدّدةٍ قادرةٍ على التعرّف على الميكروبات وقتلها.

وفي خلال هذه المعركة بين الجهاز المناعيّ والميكروبات، تحفظ خلايانا المناعيّة سِمات الميكروبات التي تقاتل ضدّها، ما يجعل غزوَ الجسم مرةً أخرى أمرًا صعبًا .   لذلك، إذا كان النوع عينُه من الميكروبات يفكّر في العودة، فسيُقضى عليه من دون أيّ تردّدٍ.   وهذا ما يسمّى بالذاكرة المناعيّة، وهي عمومًا قدرة الجهاز المناعيّ على التعرّف بسرعةٍ على ميكروب قد واجهه بالفعل خصوصًا. إنّه أساس التطعيم.   وهو أساس كيفيّة عمل اللّقاحات.

Figure 2 - Vaccines and the immune system.ما الفروق بين المضادات الحيوية واللقاحات؟

يمكنك أن ترى أن المضادات الحيوية واللقاحات تستخدم لمحاربة الميكروبات. لكن من المهم أن نفهم أنها تعمل بطرق مختلفة.

أولا.. بينما تستخدم المضادات الحيوية لعلاج الأمراض التي تحدث بالفعل، تعطى اللقاحات قبل أن نصاب بالعدوى كوسيلة للوقاية. وقد عرفت للتو أن دور اللقاحات يتمثل في توجيه الجهاز المناعي لمكافحة العدوى في المستقبل.

ثانياً.. المضادات الحيوية تعمل غالبا بطريقة واحدة، بمعنى أنها تهاجم البكتيريا بطريقة معينة. في المقابل بإمكان اللقاحات الكشف لجهازنا المناعي عن مستضدات بكتيرية متعددة والتي توجد عادة على سطح البكتيريا. هذا الكشف يساعد الجهاز المناعي على مهاجمة البكتيريا باستخدام العديد من الإستراتيجيات دفعة واحدة.

أخيراً.. بإمكان اللقاحات أن توفر حماية مدى الحياة من المرض, مما يعني أنه إذا تم تطعيمك ضد نوع محدد من البكتيريا فإنك لن تصاب بها أبدا خلال حياتك بأكملها. المضادات الحيوية لا تستطيع القيام بذلك.

 

كيف بإمكان اللقاحات الدفاع عنا ضد مقاومة مضادات الميكروبات؟؟

إن الحد من إساءة استخدام المضادات الحيوية هو مفتاح مكافحة مقاومة مضادات الميكروبات. كذلك اللقاحات تساعدنا في تحقيق هذا الهدف. بما أن اللتلقيح يقلل العدوى، فإنه يقلل الحاجة من استخدام المضادات الحيوية. كلما كان استخدام المضادات الحيوية أقل كان هناك فرصة أقل للبكتيريا من تطوير مقاومة سيئة للمضادات الحيوية. تساعدنا اليوم اللقاحات بالفعل في إدارة مشكلة مقاومة مضادات الميكروبات.   دعنا نأخذ الانفلونزا على سبيل المثال، الانفلونزا هو عبارة عن فيروس، بالرغم من أن المضادات الحيوية فعالة في وقف تكاثر البكتيريا إلا أنها لا تؤثر على الفيروسات. ومع ذلك غالبا مايتم علاج عدوى الانفلونزا بالمضادات الحيوية بشكل غير مناسب. لذلك اذا تم تطعيم الناس ضد الانفلونزا سوف نقلل من عدد الاصابات بالانفلونزا ومن ثم خفض كمية المضادات الحيوية المستخدمة بطريقة غير ملائمة.  أيضاً نقوم بتقليل الضغط على البكتيريا من تطوير مقاومة مضادات الميكروبات.

ومن الأمثلة الأخرى على كيفية مساعدة اللقاحات على التقليل من مقاومة مضادات الميكروبات في شتى أنحاء العالم شاملة الأمراض البكتيرية مثل الدفتيريا و السعال الديكي والتي تم التطعيم ضدها في صغرنا. وبفضل التطعيم فإن هذه الأمراض حدوثها أقل في الوقت الحاضر مما أدى إلى التقليل من الحاجة إلى المضادات الحيوية للعلاج. وهذا يقلل من المخاطر التي تسببها بكتيريا الدفتريا أر السعال الديكي من مقاومة مضادات الميكروبات.

أخيراً.. يوجد مفهوم آخر للقاح والذي قد تكون سمعت به والذي يؤدي إلى مناعة القطيع وهي عبارة عن حماية غير مباشرة والتي يمكن الحصول عليها عموما بواسطة اللقاحات فقط. بمعنى كل ما تلقح عدد أكبر من الناس كلما كان من الصعب للميكروب أن ينتشر بين الناس لأنه لم يتبقى سوى عدد قليل منهم لم يصب. تعتبر مناعة القطيع شيء أساسي لحماية الناس الذين لم يستطيعوا أن يأخذوا اللقاح مثل الأطفال الرضع والأشخاص المريضين الذين يصعب تلقيحهم. بالمختصر فعالية هذه اللقاحات يجعلها خط دفاع مهم ضد الميكروبات وسلاح فعال في محاربة مقاومة الميكروبات للمضادات. وفي الأخير نتمنى أن هذه المقالة ساعدتك في فهم ماهي مقاومة الميكروبات مضادات الميكروبات ولماذا مهم استخدام المضاد الحيوي حسب توصية الطبيب.

Figure 3 - The importance of vaccination for herd immunity.

Leave a Reply